أبي حيان التوحيدي
225
المقابسات
49 مقابسة [ في أن صورة الحركة واحدة وإن وجدت في مواد كثيرة ] قال يحيى بن عدي : الحركة صورة واحدة لكنها توجد في مواد كثيرة ومحال مختلفة ، وبحسب ذلك تولى أسماء مختلفة ، وقد يظن من أجلها أنها في نفسها ليست واحدة ، وأن لها أخوات ونظائر . والبحث الفلسفي قد قرن واحدة بواحدة على ما دل الاسم عليه في الأصل ، وذلك أنه يقال : الحركة كون وفساد ، ونمو ونقصان ، واستحالة وإمكان ؛ وإنما تباينت هذه الأسماء لمعان تحققت في النفس بالاعتبار الصحيح . فالحركة في النار لهب ، وفي الهواء ريح ، وفي الماء موج ، وفي الأرض زلزلة . هذا باب كما ترى قد حصل في الاستقصات ولم يغادر منه شئ . ثم إن الحركة بعد ذلك في العين طرف ، وفي الحاجب اختلاج ، وفي اللسان منطق ، وفي النفس بحث ، وفي القلب فكر ، وفي الانسان استحالة ، وفي الروح تشوف ، وفي العقل إضاءة واستضاءة « 1 » ، وفي الطبيعة كون وفساد ، وفي العالم بأسرة شوق إلى الذي به نظامه ، وبوجوده قوامه ، واليه توجهه ، وبه تشبهه ، ونحوه تولهه وتدلهه ثم قال : وهذا بيّن الحجة ، وكل شاد من الفلسفة شيئا يسلم بهذه الإشارة ويتوصل بها إلى ما هو من جنسها اقتداء بما يتراءى منها ويشيع عنها . والكلام في الحركة في غاية الشرف لأنه دال على كل ما قد اشتمل العالم عليه من العلويات والسفليات ، ولا مانع من تقصيه إلا العجز عن جله ، والكسل عن بعضه ، وبين هذين ذهاب العلم وضلال الفهم . وهكذا حكم من قلت دواعيه إلى الشئ ، وكثرت صوارفه عنه
--> ( 1 ) في الأصول : واستقصاء